يُعاني الآباء والأمهات حول العالم في مواجهة أكبر تحدٍّ قد سبق وواجهه أحدٌ من قبل.. ألا وهو السيطرة على إدمان أبنائهم الإلكتروني للشاشة، سواء للألعاب الإلكترونية أو مواقع التواصل الاجتماعي وصولاً إلى الاستخدام المفرط للهاتف الذكي بشكل عام، خصوصاً أن الثقافة السائدة التي نعيش فيها تتيح إمكانية الوصول الدائم لهذه المواقع.
لدى الابن المراهق إدمان شديد على الشاشة؛ حيث يشاهد اليوتيوب وينخرط في الألعاب الإلكترونية طوال الليل، ويرسل صوراً غير لائقة لأشخاص غرباء، ومن ثم يتردد على العيادات النفسية للتخلص من القلق والاكتئاب الناتجين عن إدمان مواقع التواصل! يعجز عن إكمال تعليمه الجامعي؛ لأنه يفتقر القدرة على الانسحاب من الواقع الافتراضي بما يكفي؛ ليتمكن من حضور دروسه.
يختبر الأهالي صدمة حقيقية ويتساءل الكثيرون عما يمكن فعله!
لماذا تواجه معظم العائلات هذا الصراع؟ ولماذا نخسر أبناءنا لصالح العالم الافتراضي؟
إن السبب الأول للمعاناة مع الشاشة هو عدم إدراك الكثيرين لخطورة الأثر الفيسيولوجي الناتج عن الاستخدام المفرط لها على دماغ الطفل، إضافة إلى استمراريته وإعاقته لنموهم الفكري حتى الوصول إلى سن الرشد.
لا يدرك المربي سبب جلوس أبنائه ساعات طويلة خلف الشاشة، ويفشل في التعرف على العواقب لسلوكهم الإدماني.
إن الأيام التي كانت فيها الثقافة السائدة تدعم دور المربي في بناء عقول أبنائه بشكل سليم قد ولّت.
تمكن الجيل السابق من اختبار طفولة مفعمة بالنشاط، حيث كان اللعب خارج المنزل حتى حلول الليل روتيناً يوميًّا واكتساب مهارات جديدة في النادي بعد المدرسة وقيادة الدراجة في كل مكان أمراً مألوفا، وصولاً إلى تجربة العزف على آلة موسيقية في المدرسة والاستمتاع باللعب برفقة الأصدقاء.
أما اليوم فقد أصبح نزيل السجون يحظى بوقتٍ ممتع في الخارج، وينخرط في النشاطات الاجتماعية كما يحظى بقسط كافي من النوم أكثر من المراهق العادي!
كونك طفلاً يعني أن الوالدين هما البوصلة الأخلاقية التي تسترشد بها الطريق، سمة الوالدين الحزم ولكن مع الحب كالمدرب الرياضي تماماً حيث يرسم الوالدان حدوداً صحية؛ ليتمكن الطفل من النمو والوصول إلى إمكانياته الحقيقية، وكدور المدرب الجيد يُنظر إلى الوالدين على أنهما مركز السلطة ومحطّ الاحترام في حياة أطفالهم. اليوم تغيَّرت شروط اللعبة، وقُلبت الأدوار؛ حيث لم تدع الهواتف الذكية مجالاً ليمارس الأهل دورهم، وأصبح أقران الطفل هم السلطة الجديدة في حياته. وقد علّقت إحدى الأمهات التي تعاني مع هذا الأمر أن هاتف ابنتها البالغة من العمر 14 ربيعاً هو صديقها المفضل وأبدت قلقها بالقول: " تمضي ابنتي الكثير من الوقت على الهاتف الذكي وكأنها لم تعد تعيش معنا بعد الآن!"
ولكي يتمكن الوالدان من تربية أبنائهم في ثقافة غارقة بالإدمان على الشاشة، لا بد من التوعية والتعلم.
إن الفهم البسيط لتأثير الشاشة على دماغ الطفل ابتداء من الأثر الكيميائي والفيسيولوجي وصولاً إلى الأثر السلوكي بإمكانه تغيير مفهومهم ودفعهم للتحرك بالاتجاه الصحيح من جديد.
ولا سيما أن أبحاثاً جديدة تؤكد ما سبق التحذير منه، وهو بيان فداحة هذا التأثير، ودعم المربي وإرشاده لتبني خيارات أفضل لحل معضلة الشاشة.
خلط الأدوار
هذا هو السبب الثاني في المعاناة مع الشاشة، حيث تروج الموجة المسيطرة لفكرة أن الأولاد هم راشدون صغيرو الحجم؛ مما يُساهم في شعور الأهالي بالعجز عن حل المشكلة داخل البيت.
لا يتمكن المربي أن يكون المرجع الأول لأبنائه إن كان لديهم الحق بأن يقرروا معدل استخدامهم للشاشة بأنفسهم! ولكن العلم لا يدعم الفكرة القائلة بأن دماغ المراهق هو عبارة عن نسخة مصغرة من دماغ الشخص الراشد كما لا يؤيد فكرة أن الذكاء يعني النضج!
الرأي القائل: أن المراهق سيستخدم شاشة - مبرمجة لجعله مدمناً- بحكمة مع بذل القليل من التشجيع والتدريب، هو محض خرافة، وسيؤدي إلى نتائج كارثية، وسيلاحظ المربي الاختلاف الذي سيشهده الجو العائلي في المنزل عندما يتوقف عن تبني هذا التفكير.
حيث أفادت والدة أحد الصبية أنها عاقبت ابنها في الصف الثامن الإعدادي بإبعاد هاتفه مدة شهر كامل، فطلب منها الاحتفاظ به لشهر آخر! تقول: "لقد طلب مني أن أبقي الهاتف بعيداً، أظن أنه أدرك أنه يسبب له الكثير من التوتر".
من الممكن أن ينجح المراهق بنسبة 99% في اختبار المنح المعتمد في الولايات المتحدة الأميركية (PSAT)، مما يدل على مستوى ذكاء عالٍ، إلا أن هذا لا يعني أن الجزء من دماغه المسؤول عن التفكير النقدي قد اكتمل نموه بعد، لن يحدث ذلك قبل منتصف العشرينات، ولا يزال المراهق مفتقراً إلى مهارة اتخاذ القرار فيما يخص الاستخدام الأمثل للشاشة، كما أن بقية المهارات تبقى في طور النمو أثناء هذه المرحلة العمرية كالسيطرة على الاندفاعات وتأجيل المتع غير المتاحة وامتلاك نمط التفكير المرن ومهارة التخطيط للمستقبل.
لا يوجد إنكار لإمكانية تدريب الأبناء على الاستخدام المناسب للتكنولوجيا ككتابة صفحة في ملف Word أو إنشاء ورقة في ملف Excel أو حتى الاستمتاع بمشاهدة فيلم عائلي، إلا أنه من المستحيل تهيئة أدمغتهم الصغيرة لمقاومة الإغراء والتشتت الذي تسببه الشاشة.
وفي الواقع جُلّ ما تقوم به التكنولوجيا الحديثة هو العمل ضد تطور مهارة التفكير النقدي واتخاذ القرار، وهو ما نراه في تراجع عند الجيل الحالي منذ مدة، إن ما يجري هو تهيئتهم للفشل في حياتهم، فحين تقوم بتركيب شاشة حماية لهاتف طفلك هل تساءلت فيما إذا كنت تولي اهتماماً أكبر لحماية جهازه من طفلك نفسه؟
إن السبب الأخير والأهم لهذه المعاناة هو ضغط الثقافة السائدة الذي يدفع الأهالي دفعاً لتبنّي ما يظنونه الخيار الوحيد عندما يبدأ طفلهم بالترجي للحصول على هاتف ذكي، إنهم مجبرون على إعطائه ما يطلب رغم أن صوت الحدس داخلهم يخبرهم العكس. يقررون تسليمه الهاتف عندما يصل إلى مرحلة عمرية معينة وإلا يسيطر عليهم الشعور بالذنب أنهم قد حكموا عليه بالعزلة. لقد تم إقناع الأهالي أنه لا بد أن يتمكن كل طفل من التواصل الدائم مع الآخرين عبر منصات التواصل الاجتماعي والانخراط في الألعاب الإلكترونية السائدة؛ ليبقى مواكباً لما يجري في العالم الافتراضي، ويكوّن الصداقات، ويكون مقبولاً من أقرانه.
وما يجعل الأمر أكثر سوءاً هو أن كل مُرَبٍّ هو أعمى بعاطفته عن تقييم طفله بشكل موضوعي وإدراك ضعفه، لسبب ما يعتقد أن ابنه أكثر نضجاً من بقية الأولاد، ولن يقع في نفس الفخّ الذي يقع فيه الكثيرون. يروي ضابط مراقبة أحداث تجربته مع هذا الأمر بقوله:
"لقد اتصل بي العديد من الأهالي يجهشون بالبكاء من ردود أفعال أطفالهم المفرطة في العدائية تجاههم. هناك واحدة من الأمهات أرادت أن تكافئ ابنها لأنه يبلي حسناً في المدرسة فجلبت له هاتفاً، ولكن عندما رأت أن إدمانه للشاشة قد خرج عن السيطرة، وحاولت أن تستعيد الهاتف، فوجئت به يقوم بضربها! والكثير من الأولاد هنا يخضعون لنظام العدالة الخاص بالأحداث لهذا السبب".
خيار أفضل
قد بدأ العديد من الأهالي بإدراك وجود خيار آخر يهدف إلى التقليل من المعاناة مع إدمان الشاشة، في اتجاه معاكس لما تروّجه الثقافة السائدة. إن قول: "لا" للهواتف الذكية والألعاب الإلكترونية ووضع خطة لتأجيل الاستخدام السّام الإدماني، سيكون له تأثير إيجابي فارق في حياة أطفالنا وتطورهم الذهني. إن المربي الذي يسلك هذا الاتجاه يضمن لأطفاله حياة صحية أكثر توازناً؛ لأنه يدرك الأثر غير الصحي لألعاب الفيديو التي تروّج للعنف، وأن منصات التواصل الاجتماعي لم تُصمَّم لمصلحة ابنه المراهق، وأن إضاعة الوقت في متابعة محتوًى رديء القيمة سيؤدي إلى إدمان متابعة هذا المحتوى وتبني السلوكيات التي يروج لها.
وكلما ازداد وعي الأهالي بالأضرار التي يتسبب بها إدمان الشاشة للجيل الحالي سيقومون باختيار الاتجاه المعاكس للتيار الثقافي السائد، وتربية جيل جديد يمتلك مناعة قوية ضد هذا الإدمان.
إن آثار اتخاذ قرار هكذا إيجابية بشكلٍ يفوق التصور، حيث يغدو الطفل - بامتلاكه مبادئاً تعزز قدرته في مواجهة إدمان الشاشة- متصالحاً مع نفسه متقبلاً لها، ويمتلك مهارات اجتماعية أعلى من أقرانه المدمنين، إضافة لاحترامه لمَن هو أكبر منه. إنه ينمو في بيئة أخف توتراً وقلقاً وخوفاً وأقل تعرضاً للإباحية. إنه يمتلك صداقات قوية وثقة بنفسه وقدرته على التميُّز، وباعتبار أنه تخلص من سيطرة الشاشة على حياته ووقته فقد توفّرت له المساحة الكافية لممارسة هوايات جديدة، واكتساب مهارات الحياة الضرورية ليصبح شخصاً راشداً، يقود حياة أكثر ثراءً وصحة، ويمتلك مهارات قيادية تساعده ليستمتع بنجاحات واعدة.
عندما يسلك المربي هذا الاتجاه المقاوم لسيطرة الشاشة فإنه يعطي أطفاله الحرية لتحقيق إمكانياتهم وبناء علاقات أمتن مع عائلاتهم، ويصبح قادراً على الاستفادة من التكنولوجيا دون التعرض لخطر الإدمان والمحتوى السام نتيجة إساءة استخدامها.
لا يوجد شخص ملزم أن يكون ضحية لثقافة الشاشة، وعندما يحصل الآباء على المعلومات الكافية، ويتبنون الدور القيادي المنوط بهم داخل البيت، ويسلكون الاتجاه الأفضل عكس التيار، فإنهم يتمكنون من الفوز بالمعركة، ويستعيدون أطفالهم من جديد.
يمتلك الأهالي القدرة، وتقع عليهم المسؤولية ليختاروا تنشئة أبنائهم بعيداً عن الثقافة المهووسة بالشاشة، حيث يوفر هذا الخيار حمايتهم من القلق والتوتر وتحريرهم من الألم؛ ليتمكنوا من المضي قدماً وبلوغ سن الرشد وقيادة حياة أكثر صحة واتزاناً.
قد حان الوقت لنسبح ضد التيار، ونقاوم من أجل أطفالنا، ونصبح أقوياء في مواجهة هذا الإدمان.
قبل 5 سنوات
قبل 5 سنوات
قبل 5 سنوات
قبل سنة
قبل سنة
قبل سنة
قبل سنة