عملية
نمو المراهقين تتسم بالمراوغة حتى بالنسبة للمُربِّي المُحنَّك الحكيم، فأطفالنا
عندما يبلغون سنَّ البلوغ تتفجَّر مياه الزهر والشباب على مُحيَّاهم، ويزداد
طولهم، وينمو الشعر على سيقانهم، ويمتلكون رخصة قيادتهم (نأمل ذلك)، والجزء الأهم:
يصبح مظهرهم كالبالغين، ولكن لا تدع طولهم وخشونة أصواتهم تخدعك، فحتى لو أن عملية
«الإنشاء» الجسدية شقَّت معظم طريقها، إلا أن عقل المراهق يتأخَّر عنها ١٠ سنوات
تقريبًا.
نعم،
إنها حقيقة علمية، فطفلك يحتاج ٢٥ سنة لينضج جسديًّا ونفسيًّا نضجًا تامًّا،
والدماغ البشري ينمو رويدًا رويدًا من الخلف إلى المقدمة، بدءًا من المخيخ [الجزء
الخلفي من الدماغ]، ومرورًا بالدماغ الأوسط أو مركز المشاعر، فأخيرًا القشرة
الأمامية [في الفص الجبهي] أو منطقة الوظائف التنفيذية، فهي آخر ما ينضج كليًّا من
الدماغ، وهذا مؤسف؛ لأن تلك المنطقة تُصدَر فيها الأحكام وتُدار الدوافع وتُتَّخذ
فيها القرارات وتُدرك الأمور.
ومراهقك سيتخذ بعضًا من القرارات السديدة، وسيتحمل مسئوليات أزيد، وسيتصرف كما لو أنه كان خبيرًا فيما يفعله، ولكن المُربِّي الحكيم يعلم أن بعض الهفوات في أحكامه الراجحة ومخاطراته المتهورة علامات تدل على أن تلك المسارات العصبية [في فصه الجبهي] لا يزال أمامها طريق تسلكه قبل أن يكتمل نموها.
رائع!
هذه الدرجات الممتازة قد تؤهل طفلك ليأخذ حيزًا في قائمة المنح العلمية، لكن مثل
هذا الإنجاز لا يُسرّع من عملية النضج العقلي. والعديد من الآباء والأمهات منبهرون
ومعميون بمواهب طفلهم الأكاديمية لدرجة أنهم يُفسرون خطأ أن تلك الورقة التي
يكتبها المعلم مشيدًا به دليلٌ على نُضجه! أصبح التميز الأكاديمي كورقة التأهيل
للحصول على مزيد من صلاحيات البالغين! أو ضوءًا أخضر لإرخاء بعض قيود استخدام
الشاشات!
ويفترِض
الآباء والأمهات مخطئين أنَّ الذكاء المرتفع أو التجربة والمهارات المتنوِّعة
علامات على النضج العقلاني والجودة في مهارات اتخاذ القرار، ولكن العلم يُصرح بأن
الوقت هو أهم عامل في عملية نضج المراهق، بغض النظر عما يقوله هو.
حتى لو
أن الشاشات الترفيهية تبدو آمنة، فقد تكون مليئة بالتضاربات لعقل المراهق، فكما أن
النار تجذب الفراشة، ينجذب المراهق للشاشة؛ لأن دماغه مجبولٌ على السعي وراء
الحداثة واستكشاف الجديد. وبسبب أن مناطق إطلاق الأحكام السديدة في دماغه لا تزال
قيد التشييد؛ ينشدُّ المراهق للمحتويات غير الأخلاقية بل الخطيرة كالإباحية
والعنف، و«أفخاخ» الإنترنت كالتنمُّر والخداع. وليس عند المراهق القدرة الكاملة
على وضع الحدود في مدة استخدام الشاشات، ولا الإعراض عن المحتوى [المشين]، ولا
ترجيح كفة النشاطات الواقعية على كفة التقنية كونها الأهم لنموه، بل سينساق
للنشاطات التقنية قليلة العناء، وافرة الرخاء.
ملحوظة للمُربِّين: إن المراهق في حاجة ماسَّة لـ «استعارة قشرتك الأمامية»، لأنه لا يملك نضجك ولا حكمتك، ومَثَلُ تركك مراهقك يسرح ويمرح بلا أي قيود في عالم الألعاب والهواتف الذكية، مَثَلُ إعطاء طفلك ابن عشر سنوات مفتاحَ سيارتك «ليلعب على الطريق السريع»، فتلك هي والله الكارثة!
أفضل شيء
بيدك فعله هو وضع الحدود، وقد يعني هذا تأخير السماح بالشاشات الترفيهية مدةً أطول
مما يرغبون. وينجح بعض الآباء والأمهات في تأجيل استخدام الألعاب والجوال خلال
المدرسة المتوسطة وبل حتى معظم الثانوية، وهذا خيار رائع، وقد يجد البعض الآخر
أساليب لتقويض استخدامهم عن طريق وضع قيود مشدَّدة على أجهزتهم، نأمل أن يكون
بإمكانك الآن أن ترى أهمية وضع سياج قوي حول أجهرتهم.
وأيضًا
رسم الحدود حول المحتوى ضرورة يُدركها المُربِّي العارف لمخاطر
التقنية، وهذا يعني أنه يجب عليك معرفة ماهية الألعاب التي يلعبونها جيدًا، ومن
خلال متابعتك لهم وهم يلعبون، سيتراءى لك هل ما يفعلونه ملائم أو أنك تحتاج للتدخل
وتغيير بعض الأشياء وفقًا لما تراه، وبما أنهم لن يقدروا على مقاومة الإغراءات
الموجودة على اليوتيوب خلال بحثهم عن الألعاب، احرص على أن تراقب استخدامهم
لليوتيوب كذلك، فالألعاب اليوم ليست مصمَّمة لتكون سهلةً على طفلك ليتحكم بنفسه،
تذكر: هو لم يعد يلعب (باك مان).
أما وضع
الحدود على مواقع التواصل فهي مهمة أصعب بكثير ولكنها ضرورية، وعلى الآباء
والأمهات فعل ذلك لأجل عقل المراهق الذي لا يزال قيد الإنشاء، وإذا كنت تتيح له
استخدام شيء من مواقع التواصل أو الهاتف الذكي فيجب أن تأخذ إدارة هذه المهمة على
محمل الجد، فالمراهق لن يطيق أن يكون تحت وطأة استمالات الهواتف، ومهما كررت
إخباره عن مخاطرها لا يمكن لفصِّه الجبهي غير مكتمل النمو أن يُدرك ما تقوله عنها،
فالمراهق يحتاج أن يُكرَّر عليه الحديث مرة بعد مرة، وهذه جِبِلَّة به.
وأكرر
مجددًا: المُربِّي الذي يفهم التقنية جيدًا يعرف أن المراهق ذا الجسد البالغ ليس
ذا عقل رصين بعد، فوضع الحدود وضبط الدوافع واتخاذ القرارات الصائبة وضبط النفس
أمور صعبة على المراهق أكثر مما تتخيل، وفي المرة القادمة حين يُسرف ابنك في اللعب
على جهازه أو حين تنشر ابنتك كلامًا ليس لائقًا في صفحاتها على مواقع التواصل،
ابتسم وذكرهم أن قشرتهم الأمامية لا تزال قيد البناء، وأنهم بحاجة لاستعارة قشرتك
أنت.
وحافظ
على ابتسامتك وأنت تأخذ منهم أجهزتهم، وأعطِهم استراحةً، ثم وجِّههُم لنشاطات
واقعية بلا تقنية، وكن واثقًا أنك تبني أساسًا قويًّا لمستقبلهم باستخدامك قشرتك
الأمامية خلال مراهقتهم، وفي يومٍ ما، ستلحق عقولُهم أجسادَهم، وسيكبرون ليصبحوا
يافعين ناضجين سليمين معافين!
وهنالك
طريقة أخرى لتُريح بها دماغ المراهقين، وهي أن تنفذ تَحدِّي تقوية مناعة الشاشات:
اضغط على زر الإيقاف في الشاشة، واتركها مغلقة لسبعة أيام، وانظر كيف سيتواصل
أفراد أسرتك مع بعضهم مجددًا.
هذا أسهل
مما تتصور!
قم بدعوة صديق ليشاركك التحدي، ونحن سنساعدك في كل خطوة من هذا الطريق.
قبل 5 سنوات
قبل 5 سنوات
قبل 5 سنوات
قبل سنة
قبل سنة
قبل سنة
قبل سنة