مُؤخَّرًا فقد تكون لاحظت أنَّ كتابة ابنك لفقرة على الكمبيوتر يستغرق ضعف الوقت الذي يستغرقه منك لكتابة فقرة شبيهة. لكنهَّ بالمقابل سريع جدًّا في تصفُّح مواقع الإنترنت على جوالك. وكذلك الأمر بالنسبة لابنتك المراهقة التي بالرغم من أن جميع مواقع الإنترنت في متناول يدها من خلال ضغطة زر، إلا أنها تبدو غير قادرة على إنهاء ورقة بحثية في زمن معقول. وبالمقابل فإنها تستطيع أن تجد صورة معبرة أو أيقونة متحركة لأي حدث أو سياق.
ولا أحد منهما يمكنه تذكر ما قالته معلمته أو أصدقاؤه في الصف المدرسي. لكنهم يعرفون أي شيء حدث على الإنستغرام خلال اليوم المدرسي. نلاحظ شيئًا مفقودًا في هذا، أليس كذلك؟ أليس من المفترض أن تُحسِّن التكنولوجيا من التعليم؟
الانتقال إلى سنة دراسية جديدة قد يكون فرصة لإعادة التفكير في صحة استخدام طفلك للشاشات. 9 ساعات هو مقدار الوقت الذي يقضيه المراهقون على الشاشات تبعًا لتقرير عام 2015. وبالطبع هذا لا يتضمَّن الوقت الذي يقضونه على الشاشات في المدرسة. تخصيص 9 ساعات يوميًّا للاستغراق في عمل كالتحديق بشيء ما هو وقت طويل جدًّا. لذلك على الوالدين أن يكونوا منتبهين لمسألة التوازُن؛ وذلك من أجل التطور العام لأطفالهم سواء كان أكاديميًّا، نفسيًّا، واجتماعيًّا. بالإضافة إلى أنه من مُتطلبات المدرسة استعمال الشاشات لأهداف أكاديمية، وهذا يُحتِّم على الوالدين أن يكونوا أكثر انتباهًا وحرصًا على تخفيض الوقت المخصَّص للشاشات في المنزل.
وهنا مجموعة من الاعتبارات ليأخذها الوالدان وهما يحاولان تحديد الإستراتيجيات المثلى للتعامل مع الشاشات لأطفالهم في عمر المدرسة:
- الطبيعة الإدمانية للتكنولوجيا تُقلل من أصالة العلاقات الإنسانية:
لا شيء يُعوِّض التواصل الإنساني. بناء علاقة ما والشعور بالراحة مع الآخرين ليس فقط مهارة مهمة ليطورها الطفل، بل أيضًا ضرورية لتطوير التعاطف، والثقة، والنجاح العام والسعادة في الحياة. بينما تُمثِّل الشاشات وسيلة جدية لإيجاد معلومات معينة، إلا أن كلَّ دقيقة على الشاشة تكون عوضًا عن قضاء وقت مع الزملاء والمعلمين. لذلك على الوالدين أن يكونوا ساعين وبجد لأن يحظى أطفالهم بوقت جيد من التفاعل الحقيقي مع أشخاص حقيقيين كل يوم.
- من الأسهل الاعتماد على التكنولوجيا بدلًا من الاعتماد على الذاكرة الشخصية:
التفريغ المعرفي، هو مصطلح يُستخدم لوصف الاعتماد على الكمبيوتر لاسترجاع معلومات وحقائق بدلًا من استخدام ذاكرة المرء الشخصية. عندما يعتمد الأطفال على التكنولوجيا للقيام بأعمال خاصة بالتعلم -مثل نسخ ولصق تعريف لمفردة ما بدلًا من كتابتها باليد على ورقة- فإنهم يُضعِفون من قدرتهم على التفكير العميق والتركيز. ومثل أي عضلة، فإنَّ الدماغ عليه أن يتدرَّب من خلال التفكير العميق والناقد وليس فقط ممارسة مهارة إدخال البيانات أو البحث عن جواب سريع لإكمال مهمة معينة.
- الكتابة وأخذ الملاحظات الخطية أثناء الدرس مهارة قيمة أكثر من الكتابة على الشاشة:
وجد الباحثون أنَّ أخذ الملاحظات يدويًّا أكثر فائدة من طباعتها على الشاشة، حيث إنها أكثر ارتباطًا بحفظ المعلومات واسترجاعها، أفضل من حيث التنظيم وأكثر قدرة على توليد أفكار جديدة. أخذ الملاحظات يدويًّا يُحفِّز دوائر عصبية في الدماغ ممَّا يجعل التعلم أسهل، حيث يعبر الطلاب عن الأفكار والمعلومات من خلال كلماتهم الخاصة. وهذا يُجبرهم على استخدام اتصالات دماغية أكثر ومصادر معرفية أوسع لفهم أعمق للمفهوم الذي تطرحه المعلمة. والأطفال الذين يُمارسون هذه المهارة يكتسبون إيجابيات واضحة في التطور، إضافة إلى أنَّها تساعد على تطوير وتدريب المهارات العضلية الدقيقة.
- استخدام اللابتوب في الحصة الصفية مُرتبط بتقليل الدرجات الأكاديمية:
تُخبرنا الدراسات بأنَّ هناك علاقة مباشرة بين استخدام اللابتوب الشخصي وبين قلة الدرجات على اختبار السات SAT. ليس فقط بسبب صعوبة معالجة المعلومات على الشاشة وبسبب الزخم المعرفي، وإنَّما أيضًا بسبب قوة إغراء فتح مواقع غير دراسية أخرى. العقول الشابة لا تملك القوة الكافية لتجنُّب التشتت من وسائل التواصل الاجتماعي، من التسوق، من تصفُّح فيديوهات اليويتوب أو من اللعب بلعبة فيديو أثناء الصف. إضافة إلى أنَّ هذه اللابتوبات الشخصية تُشكِّل عامل مُشتِّت للوقت الذي من المفترض أن يتمَّ قضاؤه اجتماعيًّا (الاستراحة، ووقت الغداء مثلًا). والأداء الأكاديمي العام في الصف مُنخفض عند الطلاب الذين يجلسون بالقرب من زميل يستخدم الشاشة لأغراض مُتعددة، أو بالقرب من آخر يقرأ مُحتوى إلكترونيًّا بدلًا من ورقيٍّ.
- لا تفترض أن المدرسة يُمكنها الإبقاء على طفلك آمنًا أثناء استخدامه الشاشات خلال اليوم المدرسي:
تذكر أن طفلك يملك القدرة على الدخول لوسائل التواصل الاجتماعي والعديد من المواقع الأخرى باستخدام جهازه الشخصي. وبإمكانه كذلك أن يتجاوز نظام الحماية الخاص بإنترنت المدرسة من خلال استخدام شبكة هاتفه المحمول ومشاركتها على اللابتوب. لذلك من المستحيل على أي مدرسة أن تحمي تمامًا أي طفل فضولي.
- إدخال الألعاب الإلكترونية ليس خيرًا جيدًا للتعلم الحقيقي:
الدمج بين اللعب على الشاشة وبين التعلم الأكاديمي قد تكون طريق مخادعة. فالأطفال دائمًا ما سينجذبون للأنشطة التي تتطلب جهدًا قليلًا لكن تحفيزًا ومكافأة عالية. لذلك عندما تبدو الرياضيات أو قواعد اللغة على شكل لعبة فإنَّ فرصة العمل بجهد للحصول على تعلم عميق ليست واردة كثيرًا. وما قد يبدو دمجًا مجردًا هو بالحقيقة إدخال الأطفال بحلقة إجبارية من إطلاق الدوبامين في أدمغتهم بشكل مستمر. قد يستطيعون أن يحفظوا بعض القوانين الرياضية ويتعلموها من خلال اللعبة، لكن هل نحن فعلًا نعدُّهم ليتعلَّموا من خلال اللعبة؟! إضافة إلى أننا ما زلنا في المرحلة التجريبية من استخدام التكنولوجيا في التعليم، وحتى أن بعض الباحثين أشار إلى أن التعليم عبر التكنولوجيا ما زال غير مثبت علميًّا ولا يمتلك الأدلة الكافية للبرهنة على جدواه وفائدته.
- المحادثة الصفية بين الزملاء والمعلمين أمر أساسي:
معلمو اليوم يُخبروننا أنَّ المحادثات العميقة والمناظرات مثلًا لم تعد بالأمر المألوف في الصف كما كانوا سابقًا، وهذا يعني أننا فقدنا عاملًا مهمًّا للتعليم الذي كان يُكسب الأطفال مهارات اجتماعية مهمَّة. والعديد من المعلمين يدركون أن نبرة الصوت ولغة الجسد أكثر أهمية في كثير من الأحيان من الكلام المحكي. لذلك فإن التفاعل الإلكتروني هذه الأيام ليس بمستوى الفائدة الذي كان يُحققه التفاعل الحقيقي عبر المجموعات والمحادثة والنقاش الفعلي.
- استخدام الشاشات يُغيِّر من سلوك طفلك:
وفقًا للعديد من الأطباء، فإن الأنشطة المُحفِّزة على الشاشات تُعيد تشكيل بناء الطفل. فالدماغ يحاول أن يتماشى مع هذا الكم الكبير من المُحفزات، وهذا التغيُّر ارتبط بارتفاع بنسبة 53 من أعراض اضطراب فرط الحركة وتشتُّت الانتباه خلال السنوات العشر الماضية. وبشكل صادم، فإن 1 من أصل 5 صبيان في المدرسة يُشخَّص بفرط الحركة. تقليديًّا فإن هذا الاضطراب يُشخَّص في عمر 3 سنوات، لذلك فالسؤال الذي علينا أن نسأل أنفسنا: هل فعلًا هذه التشخيصات الجديدة هي تشخيص اضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه، أم أنها دلالة على ما قاله د.راتي البروفيسور الإكلينيكي للطب النفسي في مدرسة هارفرد للطب بأنَّه اضطراب نقص الحركة وتشتت الانتباه المكتسب؟ العديد من الآباء يرون أن هذه الحالة الجديدة من الممكن التراجع عنها من خلال تقليل الاستخدام المفرط للشاشات.
- هناك بعض البرامج الرقمية المُصمَّمة لتوجيه الأطفال لاستخدام الوسائل التكنولوجية، لكنها لا تُعدُّ وسيلة جيدة تمامًا:
الأشخاص الذين يتميزون باستخدامهم الجيد للتكنولوجيا يتمتَّعون بآباء مُهتمين ومتابعين لما يشاهده أطفالهم عبر الإنترنت، ويقضون وقتًا في محادثات حول طريقة استخدام والمعنى من استخدام الوسائل الرقمية كالإنترنت مثلًا. بحيث إن هذه المحادثات بين الأهل وأطفالهم تبدأ بعمر مبكر وتستمر حتى المدرسة الثانوية والكلية. في حين أن البرامج المتوفرة فقط لمراقبة سلوك الأطفال على الإنترنت وتوجيهه وحصره ليست كافية، ولن تحل محل اهتمام الآباء الشخصي في توجيه وإدارة حياة أطفالهم على الشاشات.
- الشاشات الصفية ليست بالضرورة تناسب الجميع:
من الممكن أن يُفرط المعلمون والنظام المدرسي بالاعتماد على التكنولوجيا الصفية التي لا تستطيع استيفاء كامل متطلبات التعليم والإيفاء بوعدها، حيث إن الشاشات لا يمكنها أبدًا أن تحل محل العلاقة المتشابكة والعميقة بين المعلم والطالب. يعلم الآباء ما هو الأفضل لأطفالهم، وكذلك فإنَّهم يعلمون نقاط ضعفهم وقوتهم. هل يعانون من قضايا التركيز؟ هل هم انطوائيون أو تنقصهم الثقة الاجتماعية؟ هل هم صبورون؟ هل يمتلكون دافعًا ذاتيًّا ويعملون بجهد؟ لذلك استفهم لتعرف الطريقة التي يستخدم بها طفلك الشاشة في الصف، وبعد ذلك اسعَ للتعاون مع معلم طفلك؛ لتطويع استخدام الشاشة بشكل يتلاءم مع احتياجات طفلك التعليمية.
من الممكن أن تتحوَّل التكنولوجيا إلى أصعب مشتتات التعليم، بحيث تمنع الطفل من إكمال الواجبات المدرسية، سواء كانت معادلة رياضية أو ورقة كاملة. وفي النهاية جدير بنا أن نقول: بأن سحب الهاتف لفترة من الوقت أو إطفاء شبكة الإنترنت يساعد طفلك على التركيز بالمهمة التي بين يديه. ولا تدع التوجه الشائع باستخدام التكنولوجيا في التعليم يمنع طفلك الصغير أو الشاب من تحقيق إمكانياته الاجتماعية والأكاديمية.
قبل 5 سنوات
قبل 5 سنوات
قبل 5 سنوات
قبل سنة
قبل سنة
قبل سنة
قبل سنة